إذا سألت فاسألِ الله
إنَّ لطف اللهِ قريبٌ ، وإنه سميعٌ مجيبٌ ، وإن التقصير منا ، إننا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن نلحَّ وندعوه ، ولا نَمَلّ نسأمُ ، ولا يقولُ أحدنا : دعوتُ دعوتُ فلم يُستجبْ لي . بل نمرِّغُ وجوهنا في الترابِ ، ونهتفُ ، ونلظُّ بـ (( يا ذا الجلالِ والإكرامِ )) ، ونعيدُ ونبدئُ تلك الأسماءِ الحسنى والصفاتِ العُلى ، حتى يجيبَ اللهُ سبحانه وتعالى طلبنا ، ، أو يختار لنا خبرةً من عنده سبحانه وتعالى ﴿ ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾ .
ذكر أحدُ الدعاةِ في بعضِ رسائِله أن رجلاً مسلماً ذهب إلى إحدى الدول والتجأ بأهِله إليها ، وطلب بأن تمنحه جنسية ، فأغلقتْ في وجههِ الأبوابُ ، وحاول هذا الرجل كلَّ المحاولةِ ، واستفرغ جهده ، وعرضَ الأمرَ على كلِّ معارفِه ، فبارتِ الحِيَلُ ، وسُدَّتِ السبل ، ثم لقي عالماً ورِعاً فشكا إليه الحال ، قال : عليك بالثلث الأخيرِ من الليلِ ، ادع مولاك ، فإنه الميسرُ سبحانه وتعالى – وهذا معناه في الحديث : (( إذا سألتَ فاسألِ الله ، وإذا استعنت فاستعنْ بالله ، واعلمْ أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك )) – قال هذا الرجل : فواللهِ لقد تركتُ الذهاب إلى الناس ، وطلب الشفاعات ، وأخذتُ أداومُ على الثلث الأخير كما أخبرني هذا العالِم ، وكنتُ أهتفُ للهِ في السَّحرِ وأدعوه ، فما هو إلا بعد أيام ، وتقدَّمتُ بمعروضٍ عادي ولم أجعل بيني وبينهم واسطة ، فذهب هذا الخطابُ ، وما هو إلا أيام وفوجئْتُ في بيتي ، وإذ أنا أُدعى وأسلَّمُ الجنسية ، وكانت في ظروفٍ صعبةٍ .
********************************************
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ ﴾
الدقائقُ الغاليةُ :
ذكر التنوخيُّ : أن أحدُ الوزراءِ في بغداد – وقد سمَّاه – اعتدى على أموالِ امرأةٍ عجوزٍ هناك ، فسلبها حقوقها وصادر أملاكها ، ذهبتْ إليه تبكي وتشتكي من ظلمِه وجوْزِه ، فما ارتدع وما تاب وما أناب ، قالت : لأدعونَّ الله عليك ، فأخذ يضحكُ منها باستهزاءٍ ، وقال : عليك بالثلثِ الأخيرِ من الليل . وهذا لجبروتِه وفسْقِه يقول باستهزاءٍ ، فذهبتْ وداومتْ على الثلثِ الأخير ، فما هو إلا وقتٌ قصيرٌ إذ عُزِل هذا الوزيرُ وسُلبتْ أموالُه ، وأُخذ عقارُه ، ثم أُقيم في السوقِ يُجلدُ تعزيراً له على أفعالِه بالناسِ ، فمرَّتْ به العجوزُ ، فقالتْ له : أحسنتَ! لقد وصفت لي الثلث الأخير من الليلِ ، فوجدتُه أحسنَ ما يكونُ .
إنَّ ذاك الثلث غالٍ منْ حياتِنا ، نفيسٌ في أوقاتنا ، يوم يقولُ ربُّ العزةِ : (( هلْ منْ سائلٍ فأعطيه ، هلْ منْ مستغفرٍ فأغفرَ له ، هلْ منْ داعٍ فأجيبه )) .
لقد عشتُ في حياتي على أني شابٌّ . وسمعتُ سماعاتٍ وأثر في حياتي حادثاتٌ لا أنساها أبد الدهرِ ، وما وجدتُ أقرب من القريبِ ، عنده الفرجُ ، وعنده الغوْثُ ، وعنده اللطفُ سبحانه وتعالى .
ارتحلتُ مع نَفَرٍ من الناسِ في طائرٍة من أبها إلى الرياضِ في أثناءِ أزمةِ الخليجِ ، فلما أصبحْنا في السماءِ أُخبِرْنا أننا سوف نعودُ مرةً ثانيةً إلى مطارٍ أبها لخللٍ في الطائرِة ، وعدْنا وأصلحُوا ما استطاعُوا إصلاحه ، ثم ارتحلْنا مرةً أخرى ، فلما اقتربنا من الرياضِ أبتْ العجلاتُ أنْ تنزل ، فأخذ يدورُ بنا على سماء الرياضِ ساعةً كاملةً ، ويحاولُ أكثر منْ عشْرِ محاولاتٍ يأتي المطار ويحاولُ الهبوط فلا يستطيعُ ، فيرتحلُ مرةً أخرى ، وأصابنا الهلعُ ، وأصاب الكثير الانهيارُ ، وكثرُ بكاءُ النساءِ ، ورأيتُ الدموع تسيلُ على الخدودِ ، وأصبحْنا بين السماءِ والأرضِ ننتظرُ الموت أقرب منْ لمحِ البَصَرِ ، وتذكرتُ كلَّ شيءٍ فما وجدتُ كالعملِ الصالحِ ، وارتحل القلبُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ وإلى الآخرةِ ، فإذا تفاهَةُ الدنيا ، ورخصُ الدنيا ، وزهادةُ الدنيا ، وأخذْنا نكرِّر : (( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملكُ وله الحمدُ وهو كلِّ شيءٍ قديرٌ )) ، في هتافٍ صادقٍ ، وقام شيخٌ كبيرٌ مسنٌّ يهتفُ بالناسِ أن يلجؤُوا إلى اللهِ وأنْ يدعوهُ ، وأنْ يستغفروهُ وأنْ ينيبُوا له .
وقد ذكر اللُهِ عن الناسِ أنهم: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
ودعوْنا الذي يجيبُ المضطر إذا دعاه ، وألححْنا في الدعاءِ ، وما هو إلا وقتٌ ، ونعودُ للمرةِ الحادية عشرة والثانية عشرة ، فنهبطُ بسلام ، فلما نزلْنا كأنا خرجْنا من القبورِ ، وعادتِ النفوسُ إلى ما كانتْ ، وجفتِ الدموعُ ، وظهرتِ البَسَماتُ ، فما أعظم لطف اللهِ سبحانه وتعالى .
| كمْ نطلبُ الله في ضُرِّ يحِلُّ بِنا |
| فإنْ تولَّتْ بلايانا نَسِيَناهُ |
| ندعوه في البحرِ أنْ يُنْجي سفينتَنا |
| فإنْ رجعنا إلى الشاطي عصيناهُ |
| ونركبُ الجوَّ في أمنٍ وفي دَعَةٍ | | وما سقطْنا لأنَّ الحافظ اللهُ |
إنهُ لطفُ الباري سبحانه وتعالى ، وعنايتُه ، ليس إلا .
**************************************
« مَنْ لَنَا وقت الضائقةِ ؟ »
ذكرتْ جريدةُ « القصيم » -وهي جريدةٌ قديمةٌ كانتْ تصدُر في البلاد- ذكرتْ أن شابّاً في دمشق حجزَ ليسافرَ ، وأخبر والدته أنَّ موعدَ إقلاعِ الطائرةِ في الساعةِ كذا وكذا ، وعليها أنْ توقظه إذا دنا الوقتُ ، ونام هذا الشابُّ ، وسمعتْ أمُّه الأحوال الجوية في أجهزةِ الإعلامِ ، وأنَّ الرياح هوجاءُ وأنَّ الجوَّ غائمٌ ، وأنَّ هناك عواصف رمليَّةً ، فأشفقتْ على وحيدها وبخلتْ بابنها ، فما أيقظتْه أملاً منها أن تفوته الرحلةُ ، لأنَّ الجوَّ لا يساعدُ على السفرِ ، وخافْت منْ الوضعِ الطارئِ ، فلما تأكَّدتْ من ْ أنَّ الرحلة قد فاتتْ ، وقد أقعلتِ الطائرةُ بركَّابِها ، أتتْ إلى ابنِها توقظُه فوجدتْه ميِّتاً في فراشِه .
﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
فرَّ من الموتِ وفي الموتِ وَقَع .
وقدْ قالتِ العامةُ : « للناجي في البحر طريقٌ » .
وإذا حضر الأجلُ فأيُّ شيء يقتلُ الإنسان .
*************************************
منَ قصصِ الموتِ
ذكر الشيخُ علي الطنطاوي في سماعاتِه ومشاهداتِه : أنه كان بأرضِ الشام رجلٌ له سيارةُ لوري ، فركب معه رجلٌ في ظهرِ السيارة ، وكان في ظهرِ السيارة نَعشٌ مهيَّأ للأمواتِ ، وعلى هذا النعش شراعٌ لوقتِ الحاجةِ ، فأمطرتِ السماءُ وسال الماءُ فقام هذا الراكبُ فدخل في النعش وتغطَّى بالشراعِ ، وركب آخرُ فصعِد في ظهرِ الشاحنةِ بجانبِ النعشِ ، ولا يعلمُ أنَّ في النعشِ أحداً ، واستمرَّ نزولُ الغيثِ ، وهذا الرجلُ الراكبُ الثاني يظنُّ أنه وحده في ظهر السيارةِ ، وفجأةً يْخرج هذا الرجلُ يده من النعشِ ، ليرى : هلْ كفَّ الغيثُ أم لا ؟ ولما أخرج يده أخذ يلوحُ بها ، فأخذ هذا الراكبُ الثانيِ الهلعُ والجزعُ والخوفُ ، وظنَّ أن هذا الميت قد عاد حيّاً ، فنسي نفسه وسقط من السيارةِ ، فوقع على أمِّ رأسهِ فمات .
وهكذا كتب اللهُ أن يكون أجلُ هذا بهذهِ الطريقةِ . وأنْ يكون الموتُ بهذه الوسيلةِ .
| كلُّ شيءٍ بقضاءٍ وقدرْ | | والمنايا عِبرٌ أيُّ عِبرْ |
وعلى العبدِ أنْ يتذكَّر دائماً أنه يحمِلُ الموت ، وأنه يسعى إلى الموتِ ، وأنه ينتظرُ الموت صباح مساء ، وما أحسن الكلمة الرائقة الرائعة التي قالها عليُّ بنُ أبي طالب – رضي اللهُ عنه – وهو يقولُ : (( إن الآخرة قد ارتحلتْ مقبلةً ، وإن الدنيا قد ارتحلتْ مُدْبِرة ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عملٌ ولا حسابُ ، وغداً حسابٌ ولا عملٌ )) .
وهذا يفيدُنا أنَّ على الإنسان أن يتهيَّأ وأن يتجهزَّ وأن يُصلح من حالِه ، وأن يُجدِّد توبته ، وأن يعلم أنه يتعاملُ مع ربِّ كريمٍ قويٍ عظيمٍ لطيفٍ .
إن الموت لا يستأذنُ على أحدٍ ، ولا يحابي أحداً ، ولا يجاملُ ، وليس للموت إنذارٌ مبكر يخبرُ به الناس، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾
*****************************************
﴿ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ﴾
ذكر الطنطاويُّ أيضاً في سماعاتِه ومشاهداتِه : أن باصاً كان مليئاً بالركاب ، وكان سائقُه يلتفتُ يَمْنَةً ويسْرَةً ، وفجأة وقف ، فقال له الركابُ : لِم تقفُ ؟ قال : أقفُ لهذا الشيخ الكبيرِ الذي يُشيرُ بيده ليركب معنا . قالوا : لا نرى أحداً ، قال : انظروا إليه . قالُوا : لا نرى أحداً ! قال : هو أقبل الآن ليركب معنا . قالوا كلُّهم : واللهِ لا نرى أحداً من الناسِ ! وفجأة مات هذا السائقُ على مقعدِ سيارتِهِ .
لقدْ حضرتْ منيَّتُه ، وحلَّتْ وفاتُه ، وكان هذا سبباً ، ﴿ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، إنَّ الإنسان يجبُن من المخاوفِ ، وينخلعُ قلبه منِ مظانِّ المنايا ، وإذا بالمآمنِ تقتلُه ، ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ . والعجيبُ فينا أننا لا نفكرُ في لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولا في حقارةِ الدنيا ، ولا في قصةِ الارتحالِ منها إلا ذا وقعْنا في المخاوفِ .
*************************************
فربما صحَّتِ الأجسامُ بالعللِ
ذكر أهلُ السيِّرِ : أن رجلاً أصابه الشللُ ، فأُقعد في بيته ، ومرتْ عليه سنواتٌ طوالٌ من المللِ واليأسِ والإحباطِ ، وعَجَزَ الأطباءُ في علاجِه ، وبلَّغوا أهله وأبناءه ، وفي ذات يومٍ نزلتْ عليه عقربٌ من سقفِ منزلِه ، ولم يستطعْ أن يتحرك من مكانِه ، فأتتْ إلى رأسِه وضربتْه برأسِها ضرباتٍ ولدغتْه لدغاتٍ ، فاهتزَّ جسمُه من أخمصِ قدميه إلى مشاشِ رأسِه ، وإذا بالحياةُ تدبُّ في أعضائِه ، وإذا بالبُرءِ والشفاء يسير في أنحاءِ جسمِه ، وينتفضُ الرجلُ ويعودُ نشيطاً ، ثم يقفُ على قدميه ، ثم يمشي في غرفتِه ، ثم يفتحُ بابه ، ويأتي أهله وأطفاله ، فإذا الرجلُ واقفاً ، فما كانوا يصدِّقون وكادوا من الذهول يُصعقون ، فأخبرهم الخَبَرَ .
فسبحان الذي جعل علاج هذا الرجلِ في هذا !!
وقد ذكرتُ هذا لبعضِ الأطباءِ فصدَّق المقولة ، وذكَرَ أن هناك مصْلاً سامّاً يُستخدم بتخفيفٍ كيماويٍّ ، ويعالجُ به هؤلاءِ المشلولون .
فجلَّ اللطيفُ في علاه ، ما أنزل داءً إلا وأنزل له دواءً .
****************************************
وللأولياء كرامات
هذا صلةُ بن أشيم العابدُ الزاهدُ من التابعين : يذهب إلى الشمالِ ليجاهد في سبيل اللهِ ، ويضمُّه الليلُ فيذهبُ إلى غايةٍ ليصلي فيها ، ويدخل بين الشجرِ ويتوضَّأ ، ويقوم مصلياً ، وينهدُّ عليه أسدٌ كاسرٌ ، ويقتربُ من « صِلة » وهو في صلاته ، ويدورُ به ، وصلةُ في تبتُّله مستمرٌّ ، ولم يقطعْ صلاته وذِكره ، ويسلِّمُ صلةُ بن أشيم من ركعتين ، ثم يقولُ للأسدِ : إن كنت أُمرت بقتلي فكلْني ، وإن تُؤْمر فاتركْني أناجي ربي . فأرخى الأسدُ ذيله وذهب من المكان ، وترك صلة يصلي .
ولك أن تنظر في « البداية والنهاية » وغيرها من كتبِ التاريخِ ، وهذا مذكورٌ عن «سفينة» مولى رسولِ اللهِ r في كتبِ تراجمِ الصحابةِ ، أنه أتى هو ورفْقةٌ معهُ من ساحلِ البحرِ ، فلما نزلُوا البرَّ فإذا بأسدٍ كاسر مُقبلٍ يريدُهم ، فقال سفينةُ : يا أيها الأسدُ أنا من أصحابِ رسولِ الله ِ r وأنا خادمُه ، وهؤلاء رفقتي ولا سبيل لك علينا . فولَّى الأسدُ هارباً ، وزأر زأْرةً كاد يملأ بها ربوع المكانِ .
وهذه الوقائعُ والأحداثُ لا ينكرُها إلا مكابرٌ ، وإلا ففي سُننِ اللهِ في خلقِهِ ما يشهدُ بمثل هذا ، ولولا طولُ المقامِ لأوردْتُ عشراتِ القصصِ الصحيحةِ الثابتةِ في هذا الباب ، لكنْ يكفيك دلالةً من هذا الحديث ، لتعلم أن هناك ربّا لطيفاً حكيماً لا تغيبُ عنه غائبةٌ . إن علم الله يلاحقُ الناس ، ولطفه سبحانه وتعالى وشهوده واطلاعه : ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ .
*****************************************
كفى باللهِ وكيلاً وشهيداً
ذكر البخاريُّ في صحيحهِ : أن رجلاً من بني إسرائيل طلب من رجلٍ أن يُقرضه ألف دينارٍ ، قال : هل لك شاهدٌ ؟ قال : ما معي شاهدٌ إلا اللهُ . قال : كفى بالله شهيداً . قال : هل معك وكيلٌ ؟ قال : ما معي وكيل إلا اللهُ . قال : كفى بالله وكيلاًً. ثم أعطاه ألف دينار ، وذهب الرجل وكان بينهما موعدٌ وأجلٌ مسمَّى ، وبينهما نهرٌ في تلك الديارِ ، فلما حان الموعدُ أتى صاحبُ الدنانيرِ ليعيدها لصاحبِها الأولِ ، فوقف على شاطئ النهرِ ، يريدُ قارباً يركبُه إليه ، فما وجد شيئاً ، وأتى الليلُ وبقي وقتاً طويلاً ، فلم يجدْ من يحملُه ، فقال : اللهمَّ إنه سألني شهيداً فما وجدتُ إلا أنت ، وسألني كفيلاً فما وجدتُ إلا أنت ، اللهمّ بلِّغْه هذه الرسالة . ثم أخذ خشبةً فنقرها وأدخل الدنانير فيها ، وكتب فيها رسالةً ، ثم أخذ الخشبة ورماها في النهرِ ، فذهبتْ بإذنِ الله ، وبلطفِ اللهِ ، وبعنايةِ اللهِ سبحانه وتعالى ، وخرج ذاك الرجلُ صاحبُ الدنانير الأولُ ينتظرُ موعد صاحبهِ ، فوقف على شاطئ النهرِ وانتظر فما وجد أحداً ، فقال : لِم لا آخذ حطباً لأهل بيتي ؟! فعرضتْ له الخشبةُ بالدنانير ، فأخذها وذهب بها إلى بيتِه ، فكسرها فوجد الدنانير والرسالة .
لأنَّ الشهيد سبحانه وتعالى أعان ، ولأن الوكيل أدَّى الوكالة ، فتعالى اللهُ في عُلاهُ .
﴿ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
﴿ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
**********************************************
وقفــــةٌ
قال لبيدُ :
| فاكذبِ النفس إذا حدَّثْتها | | إنَّ صِدْق النفسِ يُزْرِي بالأملْ |
وقال البستيُّ :
| أفِدْ طبعك المكدود بالهمِّ راحةً |
| تجمَّ وعلِّلْهُ بشيءٍ من المزْحِ |
| ولكنْ إذا أعطيته ذاك فليكنْ | | بمقدارِ ما يُعطى الطعامُ مِن الملحِ |
وقال أبو علي بن الشبل :
| بحفظِ الجسمِ تبقى النفسُ فيهٍ |
| بقاء النارِ تُحفظُ بالوعاءِ |
| فباليأسِ المُمِضِّ فلا تُمِتْها |
| ولا تمددْ لها طول الرجاءِ |
| وعِدْها في شدائدها رخاءً |
| وذكِّرْها الشدائد في الرخاءِ |
| يُعدُّ صلاحُها هذا وهذا | | وبالتركيبِ مَنْفَعَةُ الدواءِ |
*****************************************
أطِبْ مطعمك تكنْ مستجاب الدعوةِ
كان سعدُ بنُ أبي وقَّاص يدركُ هذه الحقيقة ، وهو أحدُ العشرةِ المبشرين بالجنةِ ، وقد دعا له r بسدادِ الرمي وإجابةِ الدعوةِ ، فكان إذا دعا أُجيبْت دعوتُه كَفَلقِ الصبحِ .
أرسل عمرُ – رضي اللهُ عنه – أناساً من الصحابة يسألون عن عدْلِ سعدٍ في الكوفةِ ، فأثنى الناسُ عليه خيْراً ، ولما أتْوا في مسجدِ حيٍّ لبني عبْسٍ ، قام رجلٌ فقال : أما سألتموني عنْ سعدٍ ؟ فإنه لا يعدلُ في القضيةِ ، ولا يحكمُ بالسَّويَّةِ ، ولا يمشي مع الرعية . فقال سعدٌ : اللهمَّ إنْ كان قام هذا رياءً وسمعةً فأعْمِ بصره ، وأطلْ عمره ، وعرِّضْه للفتنِ . فطال عُمْرُ هذا الرجلِ ، وسقط حاجباهُ على عينيه ، وأخذ يتعرَّضُ للجواري ويغمزهُنّ في شوارعِ الكوفةِ ، ويقول : شيخٌ مفتون ، ، أصابتْني دعوة سعْدٍ .
إنه الاتصالُ باللهِ عزَّ وجلَّ ، وصدق النية معه ، والوثوق بموعودِه ، تبارك اللهُ ربَّ العالمين .
وفي « سيرِ أعلامِ النبلاءِ» : عن سُعد أيضاًَ : أن رجلاً قام يَسُبُّ علياً -رضي اللهُ عنه– ، فدافع سعدٌ عن علي ، واستمرَّ الرجل في السبِّ والشتمِ ، فقال سعدٌ : اللهم اكفنيه بما شئت . فانطلق بعيرٌ من الكوفةِ فأقبل مسرعاً ، لا يلوي على شيء ، وأخذ يدخل من بينِ الناس حتى وَصَلَ إلى الرجلِ ، ثم داسه بخفَّيْه حتى قتله أمام مشهدٍ ومرأى من الناسِ .
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ .
وإنني أعرضُ لك هذه القصص لتزداد إيماناً ووثوقاً بموعودِ ربِّك فتدعوه وتناجيه ، وتعلم أن اللطف لطفُه سبحانه ، وأنه قد أمرك في محكم التنزيل فقال : ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ . ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ ..
لقد استدعى الحجَّاجُ الحسن البصريَّ ليبطش به ، وذهب الحسنُ وما في ذهنه إلا عنايةُ اللهِ ولطفُ الله ، والوثوقُ بوعِد اللهِ ، فأخذ يدعو ربَّه ، ويهتفُ بأسمائِه الحسنى ، وصفاتِه العلى ، فيحوِّل اللهُ قلب الحجاجِ ، ويقذفُ في قلبه الرعب ، فما وصل الحسَنُ إلا وقد تهيأ الحجاجُ لاستقبالِه ، وقام إلى البابِ ، واستقبل الحَسَنَ ، وأجلسَه معه على السريرِ ، وأخذ يُطيِّب لحيته ، ويترفَّقُ به ، ويُلينُ له في الخطابِ !! فما هو إلا تسخيرُ ربِّ العزةِ والجلالِ .
إنَّ لطف اللهِ يسري في العالمِ ، في عالم الإنسانِ ، في عالمِ الحيوانِ ، في البرِّ والبحْرِ ، في الليلِ والنهارِ ، في المتحركِ والساكنِ ، ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ .
صحَّ : أنَّ سليمان عليه السلام قد أُوتي منطق الطيرِ ، خَرَجَ يستسقي بالناسِ ، وفي طريقِه من بيتِه إلى المصلَّ رأى نملةً قد رفعتْ رجليها تدعو ربَّ العزِة ، تدعو الإله الذي يعطي ويمنحُ ويلطفُ ويُغيثُ ، فقال سليمان : أيُّها الناسُ ، عودُوا فقد كُفيتُم بدعاءِ غيرِكم .
فأخذ الغيثُ ينهمرُ بدعاءِ تلك النملةِ ، النملةِ التي فهِم كلامها سليمانُ عليه السلامُ ، وهو يزجفُ بجيشه الجرَّار ، فتعظُ أخواتها في عالم النملِ : ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ{18} فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا﴾ . في كثير من الأحيان يأتي لطفُ البري سبحانه وتعالى بسبب هذه العجماواتِ .
وقد ذكر أبو يعلى في قدسي أن الله يقولُ : (( وعِزَّتي وجلالي ، لولا شيوخٌ رُكَّعٌ ، وأطفال رُضَّعٌ ، وبهائمُ رُتَّعٌ ، لمنعتُ عنكم قطْرَ السماءِ )) .
********************************************
وإنْ منْ شيء إلا يسبِّحُ بحمدِ ربِّه
إنَّ الهدد في عالمِ الطيورِ عرف ربَّهُ ، وأذعنّ لمولاهُ ، وأخبت لخالقِه .
ذهب الهدهدُ ، وكانت تلك القصةُ الطويلةُ ، وانتهتْ إلى تلك النتائجِ التاريخيةِ ، وكان سببها هذا الطائرُ الذي عَرَفَ ربَّه ، حتى قال بعضُ العلماءِ : عجيبٌ ! الهدد أذكى من فرعون ، فرعونُ كَفَرَ في الرخاءِ فما نفعه إيمانُه في الشِّدَّة ، والهدهدُ آمن بربِّه في الرخاءِ ، فنفعه إيمانُه في الشّدةِ .
الهدهدُ قال : ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ......﴾ . وفرعونُ يقول : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي...... ﴾ . إن الشقيَّ من كان الهدهد أذكى منه ، والنملة أفهمُ لمصيرِها منه . وإن البليد من أظلمتْ سبُله ، وتقطَّعتْ حبالُه ، وتعطَّلتْ جوارحُه عن النفعِ ، ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ .
في عالم النحل لطفٌ اللهِ يسري ، وخيرُه يجرِي ، وعنايتُه تلاحقُ تلكم الحشرة الضئيلة المسكينة ، تنطلقُ من خليّتها بتسخيرٍ من الباري ، تلتمسُ رزقها ، لا تقعُ إلا على الطيبِ النقيِّ الطاهرِ ، تمصُّ الرحيقَ ، تهيمُ بالورودِ ، تعشقُ الزَّهْر ، تعودُ محمَّلةً بشرابٍ مختلفٍ ألوانُه فيه شفاءٌ للناسِ ، تعودُ إلى خليتِها لا إلى خليةٍ أخرى ، لا تضلُّ طريقها ، ولا تحارُ في سبلِها ، ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ{68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
إن سعادتك منْ هذا القصص ، ومن هذا الحديثِ ، ومن هذه العِبر : أن تعلم أن هناك لطفاً خفياً للهِ الواحدِ الحدِ ، فتدعوه وحده ، وترجوه وحده ، وتسألهُ وحده ، وأنَّ عليك واجباً شرعياً نزلَ في الميثاقِ الربانيِّ ، وفي النَّهْجِ السماويِّ أن تسجد له ، وأن تشكره ، وأن تتولاَّه ، وأن تتجه بقلبِك إليه . إن عليك أنْ تعلم أن هذا البشَرَ الكثير وهذا العالم الضخم ، لا يُغنون عنك من اللهِ شيئاً ، إنهم مساكينُ ، إنهم كلهم محتاجون إلى اللهِ ، إنهم يطلبون رزقهم صباح مساء ، ويطلبون سعادتهم وصحَّتهم وعافيتهم وأشياءهم وأموالهم ومناصبهم من اللهِ الذي يملكُ كلَّ شيءٍ .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ ، إن عليك أن تعلم علم اليقينِ أنه لا يهديك ولا ينصرُنك ، ولا يحميك ولا يتولاك ، ولا يحفظُك ، ولا يمنحُك إلا اللهُ ، إن عليك أن توحِّد اتجاه القلبِ ، وتفرد الربِّ بالوحدانيةِ والألوهيةِ والسؤالِ والاستعانةِ والرجاءِ ، وأن تعلم قْدر البشرِ ، وأن المخلوق يحتاجُ إلى الخالقِ ، وأن الفاني يحتاجُ إلى الباقي ، وأن الفقيرَ يحتاجُ إلى الغني ، وأن الضعيف يحتاجُ إلى القويِّ . والقوةُ والغنى والبقاءُ والعزَّةُ المطلقةُ يملكُها اللهُ وَحْدَهُ .
إذا علمت ذلك ، فاسعدْ بقربهِ وبعبادتِه والتبتلِ إليه ، إليه ، إنِ استغفرته غَفَرَ لك ، وإن تبت إليه تاب عليك ، وإن سألته أعطاك ، وإن طلبت منه الرزق رزقك ، وإن استنصرته نصرك ، وإن شكرته زادك .
******************************************
ارض عن الله عزَّ وجلَّ
من لوازمِ ((رضيتُ باللهِ رباً ، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ r نبياً)). أن ترضى عن ربِّك سبحانه وتعالى ، فترضى بأحكامِه ، وترضى بقضائِه وقدرِهِ ، خيرِه وشرِه ، حُلوِه ومُرِّه .
إن الانتقائية بالإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ ليستْ صحيحةً ، وهي أن ترضى فَحَسْبُ عند موافقةِ القضاءِ لرغباتِك ، وتتسخَّط إذا خالف مرادك وميْلك ، فهذا ليس من شأنِ العبدِ .
إن قوماً رضُوا بربِّهم في الرخاءِ وسخطُوا في البلاءِ ، وانقادُوا في النعمةِ وعاندُوا وقت النقمةِ ، ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ﴾ .
لقدْ كان الأعرابُ يُسْلمون ، فإذا وجدُوا في الإسلامِ رغداً بنزولِ غيثٍ ، ودرِّ لبنٍ ، ونبْتِ عشبٍ ، قالوا : هذا دينُ خيْرٍ . فانقادُوا وحافظوا على دينِهم .
فإذا وجدُوا الأخرى ، جفافاً وقحْطاً وجدْباً واضحملالاً في الأموالِ وفناءً للمرعى ، نكصُوا على أعقابهم وتركُوا رسالتهم ودينهم .
هذا إذن إسلامُ الهوى ، وإسلامُ الرغبةِ للنفس . إن هناك أناساً يرضون عن اللهِ عزَّ وجلَّ ، لأنهم يريدون ما عند اللهِ ، يريدون وجهه ، يبتغون فضلاً من اللهِ ورضواناً ، يسعون للآخرةِ .
| رضينا بك اللهمَّ رباً وخالقاً |
| وبالمصطفى المختارِ نوراً وهاديا |
| فإمَّا حياةٌ نظَّم الوحيُ سيرها | | وإلا فموتٌ لا يسُرُّ الأعاديا |
إن من يرشحُه اللهُ للعبوديّةِ ويصطفيه للخدمةِ ويجتبيه لسدانةِ الملَّةِ ، ثم لا يرضى بهذا الترشيحِ والاصطفاءِ والاجتباءِ ، لهو حقيقٌ بالسقوطِ الأبدي والهلاك السَّرمديِّ : ﴿ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ ، ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ .
إن الرّضا بوابةُ الديانةِ الكبرى ، منها يَلجُ المقرَّبون إلى ربِّهم ، الفرحون بهداه ، المنقادون لأمرِه ، المستسلمون لحكمه .
قَسَّمَ r غنائم حُنَيْنٍ ، فأعطى كثيراً من رؤساءِ العربِ ومتأخري العرب ، وترك الأنصار ، ثقةً بما في قلوبِهم من الرضى والإيمانِ واليقين والخيرِ العميمِ ، فكأنهم عتبُوا لأن المقصود لم يظهر لهم ، فجمعهم r وفسَّرَ لهم السرَّ في المسألةِ ، وأخبرهم أنه معهم ، وأنه يحبُّهم ، وأنه ما أعطى أولئك إلا تأليفاً لقلوبهم ، لنقْصِ ما عندهم من اليقين ، وأما الأنصارُ فقال لهم : (( أما ترضون أن ينطلق الناس بالشاء والبعير ، وتنطلقون برسولِ اللهِ r إلى رحالِكم ؟! الأنصار شعارٌ ، والناسُ دِثار ، رحم اللهُ الأنصار ، وأبناء الأنصارِ ، وأبناء أبناءِ الأنصارِ ، لو سلك الناسُ شِعْباً ووادياً ، وسلك الأنصارُ شعباً ووادياً لسلكتُ وادي الأنصارِ وشِعْبَ الأنصارِ )) . فغمرتْهم الفرحةُ . وملأتْهم المسرَّةُ ، ونزلتْ عليهم السكينةُ ، وفازوا برضا اللهِ ورضا رسولِهِ r .
إن الذين يتطلعون إلى رِضْوانِ اللهِ ويتشوَّقون إلى جنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ ، لا يقبلون الدنيا بحذافيرِها بدلاً من هذا الرضوانِ ، ولا عوضاً عن هذا النوالِ العظيمِ .
أسلم أعرابيٌّ بين يدي رسول اللهِ r فأعطاه r بعض المالِ ، فقال : يا رسول اللهِ ، ما على هذا بايعتُك . فقال رسولُ اللهِ r : ((على ماذا بايعتني ؟)) قال : بايعتُك على أن يأتيني سهمٌ طائش فيقع هنا (وأشار إلى حلْقِه) ويخرج من هنا (وأشار إلى قفاه).قال له: ((إن تصْدُقِ اللهُ يصدقُكَ)). وحضر المعركة، وجاءه سهمٌ طائش ونفذ من نحرِه، ولقي ربَّه راضياً مرضيّا .
| ما المالُ والأيَّامُ ما الدُّنيا وما |
| تلك الكنوزُ من الجواهرِ والذَّهَبْ |
| ما المجدُ والقصرُ المنيفُ وما المنى |
| ما هذه الأكداسُ مِن أغلى النشبْ |
| لا شيء كُلُّ نفيسةٍ مرغوبةٍ | | تفنى ويبقى اللهُ أكرم من وَهَبْ |
ووزَّع r ذات يوم أموالاً ، فأعطى أناساً . قليلي الدين ، ضحلى الأمانة ، مقفرين في عالم المُثُل ، وترك أناساً ثُلَّمتْ سيوفُهم في سبيلِ اللهِ ، وأُنفقتْ أمواُلهم، وجُرحتْ أجسامُهم في الجهادِ والذبِّ عن الملَّةِ ، ثم قام r خطيباً في المسجدِ وأخبرهم بالأمرِ ، وقال لهم : (( إني أعطي أناساً لمِا جعل اللهُ في قلوبِهم من الجزعِ والطمعِ ، وأدَعُ أناساً لما جعل اللهُ في قلوبِهم من الإيمانِ – أو الخيْرِ – منهم : عمرو بنُ تغلب )) . فقالَ عمروُ بنُ تغلب : كلمةً ما أريدُ أنَّ لي بها الدنيا وما فيها .
إنه الرضا عن اللهِ عزَّ وجلَّ الرضا عن حكْمِ رسولِهِ r ، طلبَ ما عندَ اللهِ ، إنَّ الدنيا لا تساوي عند الصحابي الواحد كلمة راضية باسمة منه r .
لقد كانت وُعودُ الرسول r لأصحابِه ثواباً من عندِ اللهِ ، وجنةً عنده ورضواناً منه ، لم يَعِدْ r أحداً منهم بقصرِ أو ولايةِ إقليمٍ أو حديقةٍ . كان يقول لهم : من يفعلُ كذا وله الجنةُ ؟ ولآخر : وهو رفيقي في الجنةِ ؟ لأن البذلُ الذي بذلوه والمالُ الذي أنفقوه والجهدُ الذي قدموه ، لا جزاء له إلا في الدارِ الآخرةِ ، لأن الدنيا بما فيها لا تكافئُ المجهود الضخم ؛ لأنها ثمنٌ بخيسٌ ، وعطاءٌ رخيصٌ وبذْلٌ زهيدٌ .
وعند الترمذيِّ : يستأذنُ عمرُ -رضي اللهُ عنه - رسول اللهِ r في العمرةِ ، قال : ((لا تنسنا من دعائِك يا أخي )) .
وقائل هذه الكلمة هو رسولُ الهدى r ، الإمامُ المعصومُ ، الذي لا ينطقُ عن الهوى ، ولكنها كلمةٌ عظيمةٌ وثمينةٌ ونفيسةٌ ، قال عمرُ فيما بعدُ : كلمة ما أريد أنَّ لي بها الدنيا وما فيها .
ولك أنْ تشعر أن رسول اللهِ r ، قال لك أنت بعينكِ : لا تْنسنا من دعائك يا أخي .
كان رضا رسول الله r عن ربِّه فوق ما يصفُه الواصفون ، فهو راضٍ في الغنى والفقرِ ، راضٍ في السلْمِ والحربِ ، راضٍ وقت القوةٍ والضعفِ ، راضٍ وقت الصحةِ والسقمِ ، راضٍ في الشدةِ والرخاءِ .
عاش r مرارة اليُتْمِ ، وأسى اليتمِ ، ولوعة اليتمِ فكان راضياً ، وافتقر r حتى ما يجد دَقَلَ التمرِ – أي رديئه - ، وكان يربطُ الحجر على بطنِه من شدَّةِ الجوعِ ، ويقترضُ شعيراً من يهودي ويرهنُ درعه عنده ، وينامُ على الحصير فيؤثرُ في جنبِه ، وتمرُّ ثلاثةُ أيام لا يجدُ شيئاً يأكلُه ، ومع ذلك كان راضياً عن اللهِ ربِّ العالمين ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً ﴾ .
ورضي عن ربِّه وقت المجابهةِ الأولى ، يوم وقَفَ هو في حزبِ اللهِ ، ووقفتِ الدنيا – كلُّ الدنيا – تحاربُه بخيلِها ورجِلها ، بغناها بزخرفِها ، بزهوِها بخيلائها ، فكان راضياً عن اللهِ . رضي عنِ اللهِ في الفترةِ الحرجةِ ، يوم مات عمُّه وماتت زوجتٌه خديجةُ ، وأُوذي أشدَّ الأذى ، وكُذب أشدَّ التكذيبِ ، وخُدشتُ كرامتُه ، ورُمي في صِدْقِهِ ، فقيل له : كذَّابٌ ، وساحرٌ ، وكاهنٌ ، ومجنونٌ ، وشاعرٌ .
ورضي يوم طُرِد من بلدِه ، ومسقطِ رأسهِ ، فيها مراتعُ صباه ، وملاعبُ طفولتِه ، وأفانينُ شبابِه ، فيلتفتُ إلى مكة وتسيلُ دموعُه ، ويقول : (( إنكِ أحبُّ بلادِ اللهِ إليَّ ، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منك ما خرجتُ )) .
ورضي عن اللهِ وهو يذهبُ إلى الطائفِ ليعرِض دعوته ، فيُواجه بأقبحِ ردٍّ ، وبأسوأِ استقبالٍ ، ويُرمى بالحجارةِ حتى تسيل قدماه ، فيرضى عن مولاه .
ويرضى عن اللهِ وهو يخرج من مكة مرغماً ، فيسير إلى المدينة ويُطاردُ بالخيلِ ، وتُوضعُ العراقيلُ في طريقِه أينما ذهب .
يرضى عن ربه في كلِّ موطنٍ ، وفي كل مكانٍ ، وفي كل زمنٍ .
يحضر أُحُداً r فيُشجّ رأسُه ، وتُكسرُ ثنيتُه ، ويُقتلُ عمُّه ، ويُذبحُ أصحابهُ ، ويُغلبُ جيشُه ، فيقول : (( صُفُّوا ورائي لأُثني على ربي )) .
يرضى عن ربِّه وقد ظهر حِلْفٌ كافرٌ ضدَّه من المنافقين واليهود والمشركين ، فيقف صامداً متوكِّلاً على اللهِ ، مفوِّضاً الأمر إليه .
وجزاءُ هذا الرضا منه r : ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ .
No comments:
Post a Comment